فصحى ---- قصة --- عمودى ---- نثر ---- حر

مجلة منتدى شعراء احرفهم باقيه للشعر والادب

الجمعة، 8 ديسمبر 2017

أجمل دموع في حياتي ***** ، بقلم وألوان :***** *خالد سليمان


  • *أجمل دموع في حياتي ، بقلم وألوان :*خالد سليمان 
  • *************************************************
  • دموعي أصدق صفحات أسجّل فيها أجمل وأصدق المواقف ، وحياتي كلّها حدائق من الدموع ، 
  • ذات مساء دعاني صديق لمفاجأة ، وانطلقت بنا سيّارته ، وبعد صمت كان أبلغ ألف مرّة من كلّ الكلام ، سألته إلى أين ؟ 
  • فقال بنبرات تتدحرج من بين شفتيه : إلى المستشفى .
  • فقلت : خير إن شاء الله ، صمتّ طويلا ، وكليّ قلق يشتعل .
  • فقال بصوت عطوف حنون : اهدأ ، خير إن شاء الله ، نحن ذاهبان إلى المستشفى ؛ لنزور أطهر الناس على الأرض ، فقد وصل فوج من جرحى الانتفاضة الفلسطينيّة إلى المستشفى للعلاج .
  • كانت روحي تتوق لرؤية الجرحى من أهل فلسطين المباركة ، وقدماي تسابقان دقات قلبي ، وعيناي استبقتنا لتستكشف كلّ الممرات ؛ لتقف بنا عند حجرة فيها سرير منفرد لطفلة في عمر ابنتي جهاد ، عيناها بحيرتان من الصفاء ، يحدّهما شمالا وادي من النخيل الأنيق من رموشها الأنيقة ، وجنوبا واد آخر ، لا يقلّ أناقة عن الشاطئ الآخر . ابتسمت حينما رأتني ، وعندما قالت : أهلا عمو ، فقلت : أهلا حبيبة قلبي ، وانكفأت على سريرها ومحيطات الدموع تصطدم بسدود صدري لأرى ذراعها الأيمن أقصر من الأيسر ، فأدركت أنّه مقطوع وقد ربط برباط من قماش طبيّ مميّز ، وهنا حرّكت ذراعها كما لو كانت تسلّم عليّ ، فإذا بي أقبّل ذراعها بقماشه ، وأمسح وجهي فيه ، وفاضت دموعي ولم تتوقّف .
  • فنادت أمّها : من فضلكم يا أخوة ، لا نريد دموعا هنا ، وشعرت بأنّها أجمل دعوة للطرد قد جاءتني ؛ ففرحت : لأكون أسعد مطرود في التاريخ ، وإذا بصوت الطفلة الحنون الرقيق يقول : لوين عمو ؟ فعدت لأسلّم عليها ؛ وبدت الحياة تدبّ في جسمي المتخشّب ؛ لألامس بيدي فراشها ، وأربت على جسمها الملفوف في رداء شتوي أنيق ، وإذا بي أصطدم برداء متحجّر وتعجبت لم ؟؟ فأدركت أنّ ساقيها مجبّرتان بالجبس ، وانحنيت لأقبّل يدها اليسرى ، ومئة ألف خنجر مشتعل ، يمزّقان كلّ خليّة فيّ بسؤال حارق : أين كنت واليهود يمزقون جلدي ؟ 
  • أين كنت وسيارات اليهود تمشّط الطرقات بلحمنا ؟؟ 
  • وتخرسني فلا إجابة أملكها سوى العجز والجبن ، ومن حرارة اللقاء ذابت ثلوج القارات من شفتيّ ؛ لأهمس بصوت مبحوح هادئ هامسا : لديّ بنت فيّ سنّك اسمها جهاد فابتسمت ، وشردت عيونها في جانب الغرفة ، وكأنّ جراحها تقول : لو أنّ جهاد ارتفعت حرارتها ماذا تفعل ؟ 
  • لو أنّ جهاد نزف أنفها ماذا تفعل ؟ لو جرح إصبعها ؟ لو جرح إصبعان ثلاثة أربعة ، خمسة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
  • لو أحد ضربها ؟ لو يهوديّ شتمها ؟ لو يهوديّ لطمها ؟ لو يهوديّ مزّق فستانها ؟ لو يهوديان شتماها ضرباها لو اليهود شتموها ضربوها لو اليهود قتلوها ماذا تفعل ؟؟؟؟؟؟؟
  • كانت ( لو ) جيشا بكامل جنده يهاجم قلبي وروحي ، وكأنّ جموع ( لو ) أشبه بكتيبة مسلّحة تواجه لحم جبني وعجزي وضعفي وهواني أمام نفسي . 
  • ولم ينقذني من رماح ( لو ) وحرائقها سوى صوتها : عمو شو اسمك ؟ فقلت : خالد ، وكلّي خجل فمن خالد ؟؟ صفر ، بل تحت الصفر بمليون رقم سالب ، وسكتّ ، فلقد كان صمتي أبلغ ردّ لها ، وقال صديقي : خالد : لقد أحضرتك لأنّك ماهر في الحديث مع الأطفال بنجاح ، فماذا تفعل ؟ فقلت : أتظنونها جريحة ؟! ، نحن الجرحى والخونة والجبناء ، إنّها البطل والرجل ، وفاجأني قلبي : أنت لا تعرف اسمها حتّى الآن ، وهنا كررت الأم رجاءها ؛ لترحمني من عذابي وبلهجة رقيقة وابتسامة ، مدّت لنا علبة أنيقة مليئة بشيكولاتة ، وهنا اعتذرت حياء ، فقالت الأمّ : لا ليس من حق الزائر لابنتي مها أن يرفض هديتها ، وهنا أخذتها وقلبي يسبقها لتناول أحلى شيكولاتة في حياتي
  • الآن عرفت اسمها مها الرقيقة ، وبدّد اسمها حيرة نصبت خيامها ؛ فآذنت بالرحيل ، وبدا في أفق الحجرة سحابات من عطر رقيق يلوّن اللحظات ، وهنا التفتّ إلى مها ، وداعبتها ، هل تعرفين معنى اسمك ؟ 
  • قالت : لا .
  • فقلت : اسألي أمّ مها . 
  • فقالت الأمّ مبتسمة : ما المسؤولة عنها بأعلم من السائلة .
  • وهنا قال صديقي : الأستاذ خالد مدرّس لغة عربيّة مشاغب ، وطلب منّي صديقي مبتسما : طيب أخبرنا ما معنى اسم مها ؟ 
  • فالتفتّ لحبيبتي ووردة مسائي الرائع وقلت : مها لم تطلب منّي 
  • ، وهنا اهتزت مها طربا وبهجة وقالت : بالله عليك عمو شو معنى اسمي ؟ 
  • وهنا أحسست أنّ الساحة مفتوحة ؛ لأكون بطلا ، ولو للحظة واحدة في عين مها ؛ فتقدمت خطوة منها وملت على وجهها وبصوت حان قلت : أخشى أن تغضبي منّي فقالت : لا ، لن أغضب أبدا ،
  • فقلت لها وتوجّهت لقمر المساء الذي يتألق في سماء السرير ولأوّل مرّة أرى القمر نائما في سرير .
  • فقلت لها : هل رأيت مرّة عينا سوداء رائعة تسبح في بياض أنيق باسم ؟ إنّها لدى حيوان صغير مولود .
  • فقالت مها : حيوان صغير !!!
  • قلت لها : ولكن عيونه يضرب بها المثل في الجمال ، فقالت : وما علاقة هذا باسمي ؟ 
  • وهنا قلت لها : طيب هو حيوان يخدمنا جلده أصفر ، ونأخذ منه اللبن ، وهنا قالت : البقرة ، وابتسمت مها قائلة : لكن ما علاقة البقرة باسمي ؟
  • قلت لها : هل رأيت يوما بقرة صغيرة ؟ فقالت أمّها : نعم ، قلت لها : ما اسم البقرة الصغيرة ذات العيون الأنيقة في اللغة ؟ فقالت بابتسامة ضاحكة : البقرة الصغيرة ، وهنا قلت لها باسما : لا ، أريد الاسم وليس الوصف ، فقالت : لا أدري ، ولكن ما علاقة اسم مها بالبقرة ؟؟ 
  • فقلت لها : اللغة العربيّة تطلق على صغير البقرة مهاة ، وهنا ابتسمت مها وقالت : تعني أنّني بقرة صغيرة ، وهنا ضحكنا جميعا ، فقالت أمّها ضاحكة : لا تغضبي حبيبتي ، فأمّك البقرة الكبيرة ، وتعالت ضحكاتنا ، فقلت لها : معاذ الله ، أنتم أعظم الناس ، وهنا ابتسمت مها باستغراب ودهشة ، وقالت : لكن أنا اسمي مها ، وليس مهاة فقلت لها : طيب ألن تحزني ؟ 
  • قالت : لا ، وكانت أجمل لا سمعتها في حياتي .
  • فقلت : مهاة مفرد والجمع مها ، ويقال عيون المها لجمالها . 
  • وهنا ابتسمت ، وقالت : لقد صرت قطيعا من البقر ، ولست واحدة .
  • وهنا عدت أنظر لمها قمر المساء : كيف أصبت يا قمري العزيز ؟
  • فقالت : أبدا ، كنا نقذف اليهود بالحجارة ؛ فجرى اليهود وراءنا بسيارتهم المحصّنة ؛ ففرّ من معي أمامها ، فوقعتُ على الأرض ، فداست السيارة على يدي ، وهنا قالت بصوت ذي إيقاع متمرّد : لكنّي قذفتهم بكلّ ما معي من أحجار .
  • وهنا قلت لها : أنت بطلتنا ، ربنا يحفظك يا رب ، ويشفيك ، أنت مجاهدة ، وأنت وأمثالك وحدهم الأبطال ، وخسئت الجيوش النائمة ، التي صدئت أسلحتها ، وتحوّل قادتها إلى نساء ، تسأل عن مستحضرات التجميل ، وآخر صيحة في عالم الأزياء ، وتحوّل ضباطنا وجنودنا إلى مناديل ورقيّة قذرة , لكن يا مها ، وحدكم الأبطال ومعكم قلوبنا .
  • وهنا سألتها : هل تعلمين أين يدك الآن ؟ فقالت : أكيد دهستها السيّارة ، قلت لها بابتسامة فاجأت الحزن الذي غلّف إجابتها : يا لسعادة يدك ، ويا لفرح أناملك الخمس ، ليتها كانت يدي بل يديّ , فيدك الآن سبقتك إلى الجنّة بإذن الله يا مها . 
  • واستأذنت ، مقبّلا جبهتها ، وودعتني بابتسامتها اللؤلؤيّة ، وبعد خطوة ، عدت ؛ لأطلب يدها اليمنى ، فمدّتها بحرج فقلت لها : لا تحزني عليك أن تفخري بهذه اليد فهي وسام ربّانيّ كريم ، وقبّلتها باعتزاز .
  • فقالت أمّها بصوت باسم : لا والله سعدنا بك يا أستاذ خالد ، لو أذنت مها تريدك ، فدخلت مسرعا مبتهجا ؛ فقالت مها : لو وقتك يسمح هل من الممكن أن تزورني مرة أخرى ؟ وهنا ابتسمت وقلت : إن شاء الله ، وانكفأت على كتف الجدار الخارجي ، وفتحت سدود الدموع ، وصديقي يربت على كتفي مرّات ومرّات ؛ فقلت له : مها جريحة ونحن هنا ، وختمت عبارتي بقولي : يا حبيبتي يا فلسطين .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق